السيد نعمة الله الجزائري
511
عقود المرجان في تفسير القرآن
تأويل الرؤيا ولست بكاهن ولا عرّاف ؟ فأخبرهما أنّه رسول اللّه وأنّه تعالى علّمه بالوحي ذلك . « إِنِّي تَرَكْتُ » . فلذلك خصّني اللّه بهذه الكرامة . « 1 » « مِمَّا عَلَّمَنِي » بالإلهام والوحي . « إِنِّي تَرَكْتُ » . إمّا تعليل لما قبله - أي : علّمني ذلك لأنّي تركت - أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنّه من بيت النبوّة لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه . ولذلك جوّز للخامل أن يصف نفسه فيقتبس منه . وتكرير الضمير للدلالة على تأكيد كفرهم بالآخرة . « 2 » « إِلَّا نَبَّأْتُكُما » . وصف نفسه بإخبار الغيب وأنّه ينبّئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول : اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت ، فيجدانه كما أخبرهما . « 3 » [ 38 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 38 ] وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) « وَعَلَى النَّاسِ » . لهداية الناس بهم . « ما كانَ لَنا » ؛ أي : لا ينبغي لنا - ونحن معدن النبوّة - أن ندين بغير التوحيد . « ذلِكَ » ؛ أي : التمسّك بالتوحيد . وقيل : النبوّة والعلم . « مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا » خصّنا اللّه بها « وَعَلَى النَّاسِ » أيضا بإرسالنا إليهم واتّباعهم إيّانا . « لا يَشْكُرُونَ » . أي نعم اللّه . وقد كان يوسف أقام فيما بينهم زمانا ولم يحك اللّه أنّه دعا إلى الدين وكانوا يعبدون الأصنام ، لأنّه لم يطمع منهم في الاستماع والقبول . فلمّا رآهم عارفين بإحسانه مقبلين عليه ، رجا منهم القبول منه ، فدعاهم إلى التوحيد على ما أمره اللّه سبحانه في قوله : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ » « 4 » . روي أنّ صاحبي السجن قالا له : قد أحببناك حين رأيناك . فقال : لا تحبّاني . فو اللّه ما أحبّني أحد إلّا دخل عليّ من محبّته بلاء . أحبّتني عمّتي فنسبتني إلى السرقة . وأحبّني
--> ( 1 ) - مجمع البيان 5 / 356 - 357 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 484 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 469 - 470 . ( 4 ) - النحل ( 16 ) / 125 .